الحرب الاهلية الاسبانية / الفصل الثالث ــ خالد محمد الجنابي

اذهب الى الأسفل

الحرب الاهلية الاسبانية / الفصل الثالث ــ خالد محمد الجنابي

مُساهمة  Admin في الجمعة فبراير 15, 2008 11:39 am

الحرب الاهلية الاسبانية
خالد محمد الجنابي
الفصل الثالث
وهربت الحكومة إلى فالينسيا ووصفها المقاتلون المهتاجون بأنها حكومة خائنة، وأوكلت مهمة الدفاع عن مدريد إلى الجنرال "نيا" ولكن السوفييت سيطروا على مقر القيادة ، وطلبوا من الموالين للجمهورية التنحي جانبًا ، لكن الهجوم السوفيتي الأول بالدبابات لم ينجح ، حيث كانوا منتشرين أكثر مما ينبغي ، ولم يستطيعوا المتابعة ، وبذلك فشل الهجوم الجمهوري المضاد . وفي منتصف تشرين الثاني لم يكن أحد قد تصدى لتقدم الوطنيين، وكان القتال مستمر في الضواحي يدورمن بناية لأخرى وحتى من طابق لآخر وكانت الخسائر فادحة على الجانبين . كانت الأيام تمضي والمغاربة لم يعتادوا على قتال الشوارع ، لذا لن يتمكنوا من تحقيق تقدم يذكر . أما الرجال الذين ليس لديهم أسلحة فكانوا يأخذون أسلحة القتلى، والمقاتلون المنهكون يتحصنون في الخنادق ، وبالرغم من البرد والجوع صمدت مدريد وواصلت إصرارها ، ( لم يمروا أبدًا ولن يمروا ) وأعلن فرانكو بأنه سيدمر مدريد ، وهو الذي كان قد قال من قبل بأنه لم يقصف المدنيين أبدًا . وأصبحت مدريد هدفًا لطياري فيلق النسر الألماني، حيث كانت القنابل الحارقة تسقط على المدينة ليلاً نهارًا .. وحيًا بعد حي .وكان فرانكو يأمل بأن يؤدي القصف إلى تثبيط عزيمة مقاومة الجمهوريين، وحدث العكس ، حيث إزدادت الكراهية لجيش فرانكو، رغم الموت والدمار. وخلال معركة مدريد خسر الفوضويون زعيمهم البارز دوروتي ، ولا زال الغموض يحيط حتى اليوم بظروف وفاته . علما انه كان يشكل القوة الرئيسية للحركة الفوضوية في كاتالونيا ، وخرجت برشلونة لتشييع جنازته . في تلك الأيام كان المغاربة يحيطون بفرانكو حيث انضموا إلى حرسه الخاص وجيشه . وفي تشرين الثاني سُميَ فرانكو قائدًا عامًا ورئيسًا للدولة ، وتم ذلك في "بورجوس" التي يُقال إنه حتى الحجارة فيها تؤيد الوطنيين . وفي الحال أسس فرانكو حزبًا واحدًا يجمع كل الفئات المنضوية تحت لواء حركته ، وذلك لمصلحته الخاصة . كان الوطنيون يريدون اقتلاع خصومهم من الجذور ، وأن يتخلصوا من القوى التي قادت إسبانيا نحو هذه الحرب . وجعل فرانكو يوم الثامن عشر من تموز وهو يوم انطلاق الحركة المسلحة عيدًا وطنيًا لإسبانيا . وكان مسئول الدعاية والإعلان لدى فرانكو الجنرال "ميلان استري" قد فقد إحدى عينيه وإحدى ذراعيه ، واكتسب شهرة بشعاره القائلSadيحيى الموت) ، إنها عبارة مشئومة وذلك لأن الجانبين يتبعان هذه النصيحة بنفس الضراوة . وفقد الكتائبيون زعيمهم "خوزييه أنطونيو بريمو ديريفيرا"، حيث قُتل بالرصاص، كما اُعدم أيضًا الشاعر "فريدريكو جارسيا لوركا"، الذي اعتقل في منزل عائلة مؤيدة لفرانكو حيث كان مختبئًا . كان الإرهاب عملاً مدبرًا ومنظمًا في إسبانيا فرانكو ، وذلك لإرغام الناس على قبول النظام الجديد ، وكان الكارلستيون أنصار فرانكو ينشدون: لقد قتلنا من الحمر عددًا يفوق عدد الأزهار .. في نيسان وأيار . وأصبحت الوحشية شكلاً منحرفًا من أشكال البطولة الإسبانية، ويطلق اليساريون على الرموز الدينية الرصاص وينتزعون جثث الراهبات من قبورهن، ويعرضونها على درجات الكنيسة . وقتل الفرانكيون كل المدرسين ، أما الجمهوريون فطاردوا البورجوازيين ورجال الكنيسة ، الذين قُتل منهم الآلاف بوحشية ، ونهبت الكنائس وحرقت على يد الجمهوريين . كانت الحرب الأهلية الإسبانية ثورة وطنية من جانب، وثورة اجتماعية من جانب آخر . وطبقت الاشتراكية في كل أنحاء إسبانيا الجمهورية ، فالفوضويون سيطروا على برشلونة ، دور السينما ، وتجارة توزيع المواد الغذائية في المدينة وقالوا إنها بداية مغامرة كبرى . في ربيع عام 1937 اُستأنفت معركة مدريد ، وكان الوطنيون بقيادة فرانكو يحاولون تطويق العاصمة وخنقها . وفي شباط قامت الألوية الدولية بالهجوم في منطقة نهر "هرام ". وفي آذار شنً الإيطاليون المناصرون لفرانكو هجومًا على "جوادالاهاي ". كان موسوليني يتوقع انتصارًا، ولكن مُنيَ بهزيمة مذلة . لقد هاجم الجنرال "مولا" من قوات فرانكو بلاد الباسك، في نيسان رغم أن هزيمة الباسك متوقعة ، إلا أنه ركزً هجومه على جورنيكا ، وهي بلدة صغيرة في الباسك . وتعتبر رمز حرية الباسك، حيث يعقد برلمانها الإقليمي اجتماعاته تحت شجرة سنديان . في السادس والعشرين من نيسان عام 1937 أسقطت أربعين طائرة ألمانية خمسين طنًا من القنابل الحارقة على جورنيكا ، وقد ترك الهجوم دمارًا واسعًا فيها . وبطلب من الحكومة الجمهورية قام الرسام الإسباني "بيكاسو" بتخليد ضحايا جورنيكا برسم لوحة زيتية هائلة ، باللونين الرمادي والأسود، والتي تبدو وكأنها تنبأ بالعذاب الذي حلً في ما بعد بأوروبا . وبدلاً من أن يدرك الجمهوريون خطورة الوضع أخذوا يتقاتلون فيما بينهم ، حتى حدثت اضطرابات برشلونة في أيار . في تلك الاثناء حارب النقابيون والفوضويون والمناوءون لستالينية بقيادة "بيلي برانديت" كل الذين سعوا لإعادة السلطة للحكومة المركزية . إلا إن الزعيم "خوسيه دياز" .. والزعيمة "دولوريس" .. وكذلك "سانتياجو كاريللو"، تمكنوا من فرض أنفسهم على الجمهوريين . وتولى رئاسة الحكومة "خوزان ناجرين ". وفي تموز كان الجيش الجمهوري بحاجة ماسة لتحقيق نصر، فقام بشن هجوم بعدما حشد مدفعيته الثقيلة أملاً منه في أن يحطم خطوط قوات فرانكو على بعد ثلاثين كيلو مترًا إلى الغرب من مدريد . لكن شيئًا فشيئًا تم كبح الهجوم الجمهوري ، وتمكن الفرانكيون في استعادة ما فقدوه من أرض ، وقد جُرح الآلاف في هذه المعركة . وشمً فرانكو رائحة النصر فدفع جيوشه باتجاه البحر، وتقدمت على جبهة طولها ثلاثمائة كيلو متر ، وإنهارت دفاعات الجمهوريين المنهكة في كل المواقع ، لم تكن الأهداف التي قصفها الطليان والألمان دائمًا أهدافًا عسكرية ، وقتل من الجانبين في هذه المعركة قبل الأخيرة نحو عشرين ألف شخص . في تموز عام 1938 وصلت قوات فرانكو إلى البحر، ولكن الجمهورية لم تنتهي بعد ، بل وجهت ضربتها الأخيرة في معركة "إيبرو" وهو أكبر وأقوى هجوم قامت به . ففي الخامس والعشرين من تموز عبر مائة ألف جندي جمهوري النهر إلى الشمال من فالينسيا ونجح الهجوم ، وتقدموا أربعين كيلو مترًا . في آب نجحت قوات فرانكو في وقف الهجوم الجمهوري، وهكذا بدأت المعركة الإسبانية الفاصلة . ولمدة ثلاثة أشهر متواصلة ورغم القصف المستمر للطائرات والمدفعية من قبل الوطنيين إلا أن الجمهوريين صمدوا ، ولكن في تشرين الأول بدأ التقهقر العام وفقدت الجمهورية الجيش الشمالي ، وخسرت معركة "إيبرو" ثم خسرت الحرب . في السادس والعشرين من كانون الثاني عام 1939 سقطت برشلونة بدون قتال . وهرب المقاتلون الناجون والعائلات الجمهورية إلى فرنسا وقد انتابهم فزع شديد ، لقد كانوا يأملون بالوصول إلى فرنسا المنشأ الآمن والنجاة بأنفسهم من أعمال الانتقام المخيفة . واندفع نصف مليون لاجئ إسباني بائس نحو الحدود مع فرنسا وقوات فرانكو تلاحقهم ، وكان ضمن هذه الجموع وزراء جمهوريون .. وقادة فوضويون .. ومنظرون ثوريون ، يتساءلون مع أنفسهم كيف ولماذا ساءت الأمور ؟ أما أنصار الجمهوريين فقد غادروا البلاد ، في البداية رفضت فرنسا السماح لهم بدخول أراضيها ، ثم سمحت بذلك شريطة أن يسلم المقاتلون أسلحتهم . لقد شعر الجمهوريون ا بمرارة شديدة ، بعد أن إعترفت دول العالم بحكومة فرانكو . وكان المارشال الفرنسي "بيتان" أول سفير لبلاده في إسبانيا فرانكو . وكانت مدريد أخر مدينة تسقط بعد فترة من النزاع بين عام 1936 وعام 1939 . وتدلت الرايات والملاءات البيضاء من شرفات المنازل لتعلن استسلام المدينة لفرانكو ، الحرب انتهت ، لكن تصفية الحسابات مع المعارضين لفرانكو بدأت بعد ذلك . وأصدر فرانكو مرسومًا ينص على أن جميع أولئك الذين عارضوا الحركة الوطنية بقيادته، حتى ولو كان بشكل سلبي هم عناصر هدامة ، وعلى الفور بدأت عمليات التطهير . وبلغ عدد ضحايا هذه الحرب ستمائة ألف أسباني ، ولحق دمار هائل بالبلاد إحتاج إلى عشرين سنة لإصلاحه . جميع المثاليات التي قامت الحرب من أجلها تلاشت أيضًا ، وحتى مثاليات المنتصرين ، فإسبانيا بعد الحرب الاهلية لن تكون ملكية ولا فاشية ولا كتائبية ، بل فرانكوية إذ دام حكم فرانكو أربعين عامًا بدعم من الجيش والكنيسة . غادر الألمان والطليان إسبانيا ، وفرانكو مدين لهم بالكثير ، ولكن هتلر وموسوليني سرعان ما يكتشفان بأن صداقة فرانكو لم تكن دائمة ، فإسبانيا أخذت نصيبها من المأساة وبقيت بعيدة عن مسرح الاحداث في ما باقي العالم كان قد بدأ يخوض الحرب العالمية الثانية .

Admin
Admin

عدد الرسائل : 40
تاريخ التسجيل : 30/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khalidaljanabi.rigala.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى