حرب تشرين اول عام 1973 / خالد محمد الجنابي

اذهب الى الأسفل

حرب تشرين اول عام 1973 / خالد محمد الجنابي

مُساهمة  Admin في السبت مايو 23, 2009 12:27 pm

حرب تشرين اول عام 1973
خالد محمد الجنابي


اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية برئاسة أنور السادات الرئيس المصري آن ذاك في وزارة الحربية وأصدر قراره بالحرب تحت عنوان "توجيه صادر إلى القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الحربية الفريق أول أحمد إسماعيل بتاريخ 5 من شهر رمضان 1393 / 1 تشرين اول 1973" ويومها تم الاتفاق على الخطة النهائية للحرب . وفي يوم 5 تشرين اول أصدر الرئيس السادات توجيها استراتيجيا للفريق أول أحمد إسماعيل بالحرب لإزالة الجمود العسكري بكسر وقف إطلاق النار اعتبارا من 6 تشرين اول 1973 وتكبيد العدو خسائر في الأفراد والأسلحة والمعدات والعمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب تطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة المصرية على أن يتم تنفيذ تلك المهام بالتضامن بين القوات المصرية والسورية . وفي يوم 6 تشرين اول بدأت احتفالات عيد الغفران (يوم كيبور) في إسرائيل يوم السبت 6 تشرين اول ووصل الجنرال موشى ديان وزير الدفاع الاسرائيلي آن ذاك وعدد من قادته لزيارة قوات جيش إسرائيل في حصون خط بارليف على الضفة الشرقية للقناة للاطمئنان عليهم وتهنئتهم بالعيد . و في الساعة الواحدة ظهرا وصل الرئيس أنور السادات في ملابسه العسكرية ومعه الفريق أول أحمد إسماعيل واستقرا في مركز العمليات في انتظار ساعة الصفر الساعة 14.05 ظهرا . في تمام الموعد المحدد هاجمت القوات المصرية 3 قواعد طائرات و10 مواقع للصواريخ مضادة للطائرات وثلاثة مراكز قيادة وعددا من محطات الرادار ومرابض المدفعية بعيدة المدى . و قام 2000 مدفع مصري على طول الجبهة بالقصف لمدة 53 دقيقة حيث اسقطوا 10500 ( عشرة آلاف وخمسمائة ) قذيفة على العدو بمعدل 175 قذيفة في الثانية الواحدة . و تدفقت قوات المشاة والصاعقة في قوارب المطاط وكان للقوات المصرية في الدقائق الأولى 8000 مقاتل على الضفة الأولى للقناة وبعد ساعة ونصف 14000 مقاتل وبعد خمس ساعات 33000 مقاتل وقد تم استخدام 750 قاربا في الاجتياح التاريخي للقناة و 1500 سلم لتسلق خط بارليف . ضمت موجات العبور الأولى عددا كبيرا من سلاح المهندسين الذين قاموا بتعطيل أجهزة خط بارليف التي كان دورها أشغال الخط وقناة السويس حين عبور المصريين كما اشرف المهندسون على إنشاء الجسور والإشراف على فتح الممرات
و قامت القوات البحرية بدور هام بقصف نقاط هامة في البحرين الأحمر والمتوسط وكذلك التمركز في باب المندب واعتراض طريق السفن الإسرائيلية التجارية ووقف إمدادات النفط لإسرائيل . بعد 8 ساعات من القتال تم فتح 60 ممر في الساتر الترابي على القناة وإنشاء 8 جسور ثقيلة وبناء 4 جسور خفيفة وبناء وتشغيل 30 معبر . وفي يوم 7 تشرين اول وبعد 5 معارك ناجحة رفعت الأعلام المصرية على أرض سيناء وقد تحققت تلك الإنجازات بخسائر قليلة نسبية وهى2.5 % من الطائرات و2% من الدبابات و3% من القوات البشرية الباسلة بينما خسر العدو 25 طائرة و20 دبابة ومئات القتلى بالإضافة لتحطيم خط بارليف . و تمكنت الفرقة 18 من السيطرة على مدينة القنطرة شرق تمهيدا لتحريرها الذي اكتمل في اليوم التالي الذي شهد معارك بحرية ضاربة بين القوات المصرية وقوات العدو واستسلم عدد كبير منهم . و في الجولان نجحت القوات السورية في السيطرة على موقع العدو في جبل الشيخ الذي يعد من أهم نقاطه الحصينة . و بدأت واشنطن الاتصال بالقاهرة على الصعيد الدبلوماسي وكانت رسالة مصر واضحة ويمكن تلخيصها في ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها وبعد الانسحاب يمكن البدء في مفاوضات في سبيل السلام وبحث القضايا المعلقة .
وفي نفس الوقت حررت القوات المصرية مدينة القنطرة شرق وتم أسر 30 جنديا من العدو وتم الاستيلاء على كمية كبيرة من الأسلحة والمعدات وذلك على يد الفرقة 18 الباسلة التابعة للجيش الثاني . و تمكنت الفرقة 19 التابعة للجيش الثالث من السيطرة على موقع عيون موسى . و نجحت القوات المصرية في التصدي لضربة إسرائيلية مضادة قامت بها 3 فرق إسرائيلية فشلت جميعها وتراجعت وانسحبت شرقا بعد أن تكبدت خسائر فادحة . و أعاد العدو تنظيم قواته وحاول التقدم بلواءين مدرعين ضد فرق قطاع شرق الإسماعيلية تلك المعركة المعروفة باسم معركة (الفرادن) والتي نجح فيها الجيش المصري في التصدي لتلك الهجمة الاسرائيلية . خسر جيش العدو معركة أخرى هامة شرق السويس أمام هجمات قوات الجيش الثالث لذلك سمي عساف ياجورى ذلك اليوم ( يوم الاثنين الأسود في إسرائيل ) فقد أكد انه يوم الدم وخيبة الأمل والفشل العظيم . و دمرت القوات المصرية كافة مطارات العدو في سيناء ولم تعد كلها صالحة للاستخدام عدا مطار العريش كما تم تدمير مركزين للقيادة والتوجيه وتم إسقاط 24 طائرة فانتوم للعدو . و نجحت القوات المصرية والكفاح الشعبي فى الدفاع عن بور سعيد التى حاولت إسرائيل الهجوم عليها خوفا من توجيه ضربات بصواريخ أرض / أرض ضد المدن الإسرائيلية . في اليوم الثالث وبعد أن استغاثت حكومة إسرائيل بقيادة جولدا مائير بأميركا وصل لإسرائيل خبير من البنتاغون ( وزارة الدفاع الأميركية ) المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط حيث وضع عدة خطط لوقف تقدم القوات المصرية ومواجهة كافة الأسلحة المصرية وشل حركتها . وفي يوم 9 تشرين اول تم تصفية جميع حصون العدو في سيناء عدا حصن واحد في طريق بور سعيد - رمانه - العريش الساحلي . و انسحبت قوات العدو الى خط المضايق في سيناء بعد سقوط خط الدفاع الأول وخط الدفاع الثاني . و دارت معركة بحرية عنيفة أسفرت عن إغراق 5 لنشات إسرائيلية كما تقدمت القوات المصرية 15 كم في عمق سيناء .
و قامت قوات العدو بقصف دمشق للرد على فشلها المتوالي منذ 6 تشرين اول في الجبهتين المصرية والسورية برغم تأكيد مصر وسوريا انهما لن توسعان نطاق الحرب إلى التجمعات السكانية . و قررت أميركا تزويد إسرائيل بكافة الأسلحة والمعدات بما يعوض ما فقدته وإرسال الطائرات والمدرعات وقطع الغيار والخبراء الذين يساهمون في تركيب هذه الأسلحة . و طلبت أميركا من الأردن عدم التدخل في القتال وفعلا رفض الملك حسين دخول الحرب ورفض طلب سعودي بالسماح لفرقة سعودية متمركزة في الأردن بالمشاركة في الحرب . الايام من 10 - 13 تشرين اول سميت بالوقفة التعبوية حيث أمهلت القوات المصرية نفسها عدة أيام لإعادة تنظيم صفوفها لكن قوات العدو استغلت تلك الأيام أيضا في تلقى الإمدادات الأميركية حيث فتحت واشنطن جسرا جويا مباشرا بين قواتها والجبهة المصرية . و أرسل العراق يوم 10 تشرين اول الفرقة الثالثة المدرعة التي وصلت الجبهة السورية يوم 12 تشرين اول كما أرسل الأردن لواء مدرع لسوريا وذلك استجابة لطلبات أميركية تجنبا لفتح جبهة قتال جديدة على ضفة نهر الأردن . و حاول الاتحاد السوفيتي آن ذاك في يوم 12 تشرين اول عرض وقف لاطلاق النار لكن الرئيس السادات رفض للنصر الملحوظ الذي حققته القوات المصرية . و خلال تلك الأيام نقل الجسر الجوي بين واشنطن والجبهة أسلحة ومعدات خاصة لم تستخدم من قبل على متن 228 طائرة نفذت 569 طلعة جوية كما قامت طائرة استطلاع أميركية بالطيران على ارتفاع 25 كم فوق بور سعيد والسويس ثم مطارات البحر الأحمر ثم قنا حتى وصلت إلى الدلتا فى رحلة استطلاعيه أبلغت تقاريرها لإسرائيل . وفي يوم 14 تشرين اول و بناء على طلب من سوريا قرر الرئيس السادات استئناف القتال تخفيفا للضغوط على الجولان نظرا لتكثيف إسرائيل هجماتها عليها . و انتقلت الفرقة 21 مدرعة التابعة للجيش الثاني من غرب إلى شرق القناة في منطقة الدفرسوار استعدادآ للهجوم . وفي يوم 15 تشرين اول ركز العدو جهوده فى القيام بعمل ضد قوات الجزء الايمن من قوات الجيش الثاني عند منطقة الدفرسوار شرق القناة لعمل اختراق فى صفوف القوات المصرية حتى يتمكن من ادخال قواته المدرعة الى الضفة الأخرى للقناة ونفذ الهجوم فرقتان احداهما بقيادة الجنرال ادان والاخرى بقيادة الجنرال شارون وكان الهدف الوصول الى الاسماعيلية فى محاولة لتحقيق نصر سياسي لكن القوات المصرية واجهت الهجوم الاسرائيلي ومنعت قواته من العبور وقد واجهت الفرقة 16 مشاة العدو ببسالة واصرار . ومن يوم 16 - 20 تشرين اول تصاعد القتال غرب المزرعة الصينية ( حقل التجارب الزراعية ) وتمكنت القوات المصرية من منع قوات العدو من التوغل وخسر الفريقان خسارة فادحة .
و فى يوم 18 تشرين اول تمكنت قوات العدو من وضع جسر لها عند الدفرسوار لكي تعبر قواتها الى الضفة الغربية لقناة السويس لكن باقتحام لواء مدرع للفرقة الرابعة تمكنت القوات المصرية من منع تدفق قوات العدو عبر هذا الجسر . و خلال يومي 19 و 20 تشرين اول استمر الدفاع عن الاسماعيلية بتعاون الشعب مع القوات المسلحة وكذلك تثبيت الوضع فى الثغرة على عدم عبور قوات اسرائيلية للضفة الاخرى . وفي يوم 21 تشرين اول قرر السادات الموافقة على وقف إطلاق النار بعد ان أصبحت الطائرات الاميركية تهبط مباشرة بعتادها فى مطار العريش وجربت سيناء أسلحة جديدة لم تجرب من قبل . و أبلغت القاهرة موسكو وواشنطن قراراها وأصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 338 الذى يقضي بوقف اطلاق النار وأى نشاط حربي وبدء المفاوضات بين الاطراف المعنية . وافقت كل من مصر واسرائيل على قرار مجلس الامن لكن قوات اسرائيل لم تلتزم به وارادت استغلالة لتحسين وضعها فى منطقة الدفرسوار فلم تحترم وقف اطلاق النار يومي 22 / 23 تشرين اول لكن الصمود الشعبي حال دون تقدمها عن مواقعها . و اصدر مجلس الامن قراره رقم 340 يوم 25 تشرين اول على اساس مشروع تقدمت به دول عدم الانحياز الذى نص على انشاء قوة دولية لمراقبة وقف اطلاق النار وعودة القوات لخطوط يوم 22 تشرين اول . انتهت حرب تشرين اول 1973 فعليا يوم 28 تشرين اول واجتمع الوفدان المصري والاسرائيلي فى الساعة الواحدة والنصف لبدء المباحثات لتثبيت وقف اطلاق النار. وان الحقائق والأرقام تقول . بدأت الضربة الجوية في الساعة 2 بعد ظهر السادس من أكتوبر 73 بقوة 220 طائرة أصابت أهدافها بنسبة 95% . ويعتبر التمهيد النيراني بالمدفعية في حرب تشرين اول 73 هو أول واضخم حشد نيراني شهدته الحروب . وأول علم مصري رفع على الساتر الترابي لخط بارليف كان في الساعة الثانية والدقيقة 37 بعد ظهر يوم 6 تشرين اول جنوب معبر الشط . وان أول استخدام مكثف للدروع البشرية المصرية كان في حرب تشرين اول 73 بقتال الفرد المترجل للدبابة والطائرة ولتعترف القوات الإسرائيلية خلال إدارة المعارك بان فرد المشاة والصاعقة المصري أصبحت ذراعيه اكثر طولا من دباباتهم ومدافعهم . خلال أعمال قتال اليوم الأول دمرت قواتنا اكثر من 200 دبابة إسرائيلية وقتلة وأسرت وحاصرت أكثر من 1500 جندي وضابط إسرائيلي . ولأول مرة في تاريخ حروب الدبابات يتم تدمير 150 دبابة في مدة لا تزيد عن 20 دقيقة مع اسر معظم أطقمها من المقاتلين الإسرائيليين يوم الاثنين 8 تشرين اول على شريحة محدودة من مسرح العمليات بالقطاع الأوسط واكبر عدد من الأسري يتم القبض عليهم من نقطة حصينة واحدة هي حصن بور توفيق فقد كان عددهم 37 بين ضابط وجندي إسرائيلي . ان حرب تشرين اول عام 73 هي أول حرب (بعد معارك الاستنزاف) تتكبد فيها إسرائيل خسائر فادحة في الأرواح إذا بلغت خسائرها 2522 قتيل بخلاف الأسرى والجرحى والمفقودين وتتمثل ضخامة هذه الخسائر فيما لو قورنت بتعدادها البشري المحدود . وهي أول حرب للجيش الإسرائيلي يعالج فيها الأطباء جنودا بأعداد كبيرة مصابين بصدمات نفسية وعصبية صدمة القتال وهناك من نسوا أسمائهم من هول الهجوم المصري الكاسح كما ذكر ذلك أقوال قادة إسرائيليين في كتاب "زلزال في أكتوبر" لزئيف شيف . وحرب 73 هي أول حرب إلكترونية في التاريخ . وخط بارليف الذي اجتاحته القوات المصرية وفى بضع ساعات هو أول واقوي خط دفاعي في تاريخ الحروب يعتمد في إنشائه على مانع مائي فريد تتخلله حصون وقلاع كما يبلغ ارتفاع الساتر الترابي الذي يحمل في بطنه هذه الحصون 20-22 مترا كما وصلت درجة ميله على الحافة الشرقية للقناة مباشرة 45 درجة . وتمكنت مصر وقواتها المسلحة من إنشاء أول واضخم حائط صواريخ دفاع جوي في منظومة دقيقة لم تشهدها الحروب السابقة والذي تمكن من كسر ذراع إسرائيل الطويلة واسقط لها في اليوم الأول للقتال 38 طائرة يقودها اكفأ طياريها وقد أدى ذلك لان يصدر قائد القوات الجوية الإسرائيلية أوامره يوم 8 تشرين اول بعدم اقتراب الطائرات لأقل من 15 كم شرق القناة . ولأول مرة تستخدم الدول العربية سلاح البترول والأرصدة في موقف عربي متضامن لم تشهده الأمة العربية منذ عدة قرون ووصف بأنها القوة السادسة . ان أسباب حرب تشرين اول تتمثل في تحرير الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران 1967 وإزالة آثار العدوان . وإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم التي فرضت على المنطقة في ظل سياسة الوفاق بين القوتين العظميين (أميركا والاتحاد السوفيتي) . ورد كرامة الجندي المصري والعربي وتغيير النظرة للجيوش العربية بأنها لا تستطيع ولا تعرف أن تحارب . وإنهاء حالة التفوق العسكري الإسرائيلي على العرب نتيجة لقيام الولايات المتحدة بإمداد إسرائيل بأحدث الأسلحة وفي التوقيتات التي تضمن لها التفوق الدائم . بعد ان اصبح الموقف الأميركي رهينة للسياسة الإسرائيلية خاصة بعد المذكرة التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل عام 1972 والتي تعهدت فيها إنها لن تتقدم بأي مبادرة سياسية في الشرق الأوسط قبل مناقشتها مع إسرائيل . الامر الذي ادى الى زيادة التفوق الإستراتيجي العسكري الإسرائيلي الناتج عن اتخاذه حواجز طبيعية كموانع بينه وبين الجيوش العربية عقب حرب 1967 حيث احتل مرتفعات الجولان السورية شمالا ونهر الأردن شرقا ووصل للضفة الشرقية لقناة السويس جنوبا .النتائج على المستوى المحلي . استطاعت القوات المصرية أن تعيد نوعا من التوازن إلى جبهتها على مجموعة مستويات: و على مستوى التخطيط فقد بلغ مستوى التخطيط العلمي والعملي للمعركة مستوى ممتازا ودقيقا فقد استطاعت القوات المصرية في الأيام الأولى للمعركة أن تحقق هدفا استراتيجيا لا يختلف علية احد وهو كسر النظرية الأمنية الإسرائيلية كما حقق الجيش المصري إلى جانب الانتصار الاستراتيجي انتصارا آخر على مستوى العمل العسكري المباشر متمثلا في عملية العبور التي اكتسحت مانعا مائيا ضخما في ساعات ثم دخلت لعدة أيام في معارك بالمدرعات والطيران وأمنت لنفسها عدة نق داخل سيناء وألحقت بالعدو خسائر وصلت إلى ربع طائراته وثلث دباباته تقريبا في ظرف أسبوع واحد من القتال .
و أما على مستوى القرار فقد استطاع الرئيس السادات أن يثبت أن القيادة المصرية والعربية ليست واهنة بل لديها الشجاعة على اتخاذ القرار فرغم المنحنيات الكثيرة التي مرت بها عملية اتخاذ القرار فعندما جاءت اللحظة الحاسمة أعطى أمر القتال وأطلق شرارة الحرب . و على مستوى الجندي المصري فجرت الحرب والظروف التي نشبت فيها طاقة إنسانية لم يكن احد يحسب لها حساب أو يخطر ببالة أنها موجودة على تلك الدرجة من الاقتدار .
و بعد الحرب شعر الرئيس السادات أن مواجهة المرحلة التالية تتطلب تغيير إدارته السياسية لذلك أجرى العديد من التغييرات في المناصب كان ابرزها قبول استقالة حافظ إسماعيل مستشار الرئيس للأمن القومي ونهاية خدمة المشير احمد إسماعيل قائد الجيش وعلى المستوى الرسمي أيضا ترك محمد حسن الزيات وزارة الخارجية ليتولاها بدلا منه إسماعيل فهمي . أما النتائج على المستوى العربي فقد أعاد نصر تشرين اول للشارع العربي والمصري ثقته في ذاته بعد أن كانت تجتاحه حالة من الإحباط الشديد اثر نكسة 1967 والتي رافقها العديد من المظاهر الاجتماعية في الوطن العربي . و أظهرت المواقف العربية خلال الحرب وعدا بعصر عربي جديد يضع العرب على موضع يرضونه لأنفسهم من توافق وتكامل يؤدي بهم إلى الصفوف الأولي فان تحالفا واسعا على الناحية العربية للمعركة قام وراء جبهة القتال تمثل في عدة خطوط تساند بعضها بطريقة تستطيع تعويض جزء كبير من الانحياز الأميركي لإسرائيل وقد كانت الجيوش العربية المقاتلة بشجاعة هي الخط الأول وكانت الجبهات العربية الداخلية التي تجلت إرادتها هي الخط الثاني كما ظهر سلاح البترول للمرة الأولى بعد أن لوحت المملكة العربية السعودية باحتمال قطع امدادتها لاى دولة تقوم بمساعدة إسرائيل .
و دخلت فكرة المفاوضات المباشرة للمرة الأولى في الصراع العربي الإسرائيلي بعد المفاوضات التي قامت عند الكيلو 101 التي أجراها وفدان عسكريان في الطريق بين القاهرة والسويس يوم 28 تشرين اول والمعارك مازالت مستمرة وقادها من الجانب المصري اللواء محمد عبد الغني الجسمي مدير العمليات في تلك الحرب واحد ابرز أبطالها . أما النتائج على المستوي الإسرائيلي فهي انكسار نظرية الأمن الإسرائيلي على المستوي الاستراتيجي والتي تقوم على عدة مرتكزات هي التفوق الكيفي أمام الكم العربي وضعف عربي عام بسبب الخوف وحرب الأعصاب مما يؤدي إلى وهن على مستوي اتخاذ القرار . كما أحدث انكسار تلك النظرية صدمة عسكرية وسياسية لم يسبق لها مثيل في التاريخ القصير لدولة إسرائيل وقد أدى ذلك بدوره إلى تفكك تركيبة القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل وتمزق العلاقات في ما بينها وبدأت مرحلة تبادل الاتهامات وتصفية الحسابات . و على مستوى الراى العام أدى انكسار النظرية الإسرائيلية إلى سقوط أساطير إسرائيلية كثيرة على رأسها الجيش الإسرائيلي الذي كان أمل إسرائيل وموضع اعتزازها الأول وأيضا سقطت صورة المخابرات الإسرائيلية التي كانت غائبة عن مسرح الأحداث بالمعلومات والكشف والتحليل كما سقطت شخصيات إسرائيلية كانت مثل أصنام لدى الراى العام الإسرائيلي ومنها جولدا مائير وموشي ديان . و وجدت إسرائيل نفسها مرغمة على الاستمرار في عملية التعبئة العامة لدعم خطوطها العسكرية وكان ذلك يعنى أن عجلة الإنتاج الإسرائيلي في الزراعة والصناعة والخدمات توقفت أو أصبحت على وشك التوقف . أما النتائج على المستوي العالمي فلقد استطاعت مصر من خلال موقفها القوي في الحرب خلق رأى عام عالمي واضح مناهض للجبهة التي تساند إسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة وقد عبرعن ذلك الرئيس الفرنسي في تلك الفترة بومبيدو بقوله نحن نعرف أن العرب هم الذين بدأو القتال ولكن من يستطيع أن يلوم طرفا يقاتل لتحرير ارض احتلها اعداؤه كما حصلت مصر على مددا عسكريا ضخما خلال أيام المعركة فقد قررت القيادةالسوفيتية تعويض الجيش المصري عن بعض خسائره من الدبابات وأهدته 250 دبابة من طراز تى 62 كما بعث تيتو رئيس يوغسلافيا في ذلك الوقت بلواء كامل من الدبابات وضعه تحت تصرف القيادة المصرية .

Admin
Admin

عدد الرسائل : 40
تاريخ التسجيل : 30/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khalidaljanabi.rigala.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى